محمود سالم محمد

112

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وهذه طريقة معظم المتصوفة في مدح الرسول الكريم ، ولنر كيف نظم ابن عربي الحديث الشريف « أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر » « 1 » ، فقال على لسان النبي : اللّه يعلم والدّلائل تشهد * أنّي إمام العالمين محمّد لكن لنا وقت تراقب كونه * فإذا أتى فالسّلك فيه مهنّد « 2 » إنهم لا يستطيعون أن يخرجوا عن عالمهم الغامض ، الذي يشفّ أحيانا ، فيزيد الشعر عذوبة ورقة وسموا ، ويزيد فيستحيل الشعر إلى طلاسم ورموز ، لا ندري لها فكاكا ، وقد يتحدثون عن النبي الكريم فلا نعلم إلا بعد لأي ، أو من سياق القصيدة . لذلك لا نجد عند كبار المتصوفة مدحا خالصا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنهم استغرقوا في عالمهم الغيبي وفي إظهار معتقدهم ، وإذا خرجوا عن ذلك جاؤوا إلى قصائد الهيام والحب الإلهي برموز أشهرها الغزل المبطن ، الذي ظاهره غزل في محبوبة ، وباطنه غزل بالذات الإلهية وهيام بحبها وفناء فيها . وفي قصائد الغزل والهيام عند المتصوفة ، يلفت النظر موضوع أضحى فيما بعد من لوازم المدحة النبوية وهو التشوق إلى الأماكن المقدسة والتغزل بالكعبة والحنين إلى البقاع التي شهدت بعثة النبي الكريم ونزول الوحي ، ولذلك قلما تخلو قصيدة لمتصوف من ذكر المقدسات ، وكأنهم قد استعاضوا بها عن ذكر المقدمات الطللية ، وذكر المنازل والرحلة في الشعر العربي . فالتشوق إلى المقدسات الذي رأيناه عند الشريف الرضي ، والذي كان حنينا إلى الحجاز ، موطن آبائه وأجداده ، والذي نظمه بعض الشعراء في حنينهم إلى قضاء فريضة الحج ، وفي أثناء توجههم لأدائها ، صار في هذا العصر فنا قائما بذاته ، تنظم فيه القصائد

--> ( 1 ) صحيح مسلم ص 1382 ومسند الإمام أحمد : 1 / 161 . ( 2 ) ابن عربي : الديوان الأكبر ص 23 .